Home أخبار نوفل سلامة يكتب: تصريح سفير تونس بروسيا…خطأ اتصالي أم موقف استراتيجي؟

نوفل سلامة يكتب: تصريح سفير تونس بروسيا…خطأ اتصالي أم موقف استراتيجي؟

0 second read
2
0

كتب: نوفل سلامة  

أثار تصريح سفير تونس بروسيا الذي أدلى به منذ أيام قليلة إلى ” وكالة سبوتنيك الروسية ” عن وجود مساع وترتيبات لتنظيم زيارة قريبة للرئيس قيس سعيد لروسيا الكثير من اللغط…
وفتح نقاشا داخليا وخارجيا حول توقيت هذا التصريح ومضمونه الذي يتزامن مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وما تشهده روسيا من عزلة من يوم إلى آخر بسبب الضغط الأمريكي عليــها…

إعادة تموقع

ومع محاولة البعض استغلال هذا الصراع لإعادة التموقع العالمي وإعادة رسم التحالفات ومحاولات أخرى للخروج عن النظام العالمي التي يحكم اليوم العالم وتقوده الولايات المتحدة الأمريكية في علاقة بسؤال أي مصلحة لتونس في التقارب من روسيا في هذا التوقيت بالذات؟
ونحن نعلم أن العلاقة بين تونس وأمريكا تشهد منذ فترة فتورا بدأت تتسع حدته بسبب الأزمة السياسية الداخلية وما حصل بعد حدث 25 جويلية من تراجع عن المسار الديمقراطي؟

وبقطع النظر عن التوضيح الذي صدر عن بعض الجهات القريبة من قصر قرطاج في محاولة للتخفيف من وقع تصريح السفير التونسي بموسكو، والذي اعتبر أن زيارة  قيس سعيد لموسكو تأتي بمناسبة المشاركة المرتقبة لرائدة الفضاء التونسية التي تنتظرها مهمة فضائية ستنطلق من روسيا، وبقطع النظر كذلك  أن التوضيح الذي جاء على لسان سفير تونس بجمهورية الكونغو الديمقراطية…والذي قال فيه أنه بعد اتصال كان قد أجراه مع سفاراتنا بروسيا أن ما تم نقله في الإعلام الروسي على لسان السفير التونسي بروسيا حول زيارة مرتقبة للرئيس قيس سعيد لم يكن دقيقا حيث أنه من الأصح أن المرتقب هو زيارة ذات مستوى عال تشمل شخصيات رفيعة المستوى في الدولة قد تحصل قريبا وليس زيارة رئاسية….

خطأ أم موقف؟

بقطع النظر عن ذلك فإن الذي يطرحه مثل هذا التصريح في هذه الظرفية العالمية المتأزمة، وفي هذا التوقيت الذي تمر فيه تونس بأزمة في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية بسبب أزمة الحكم الداخلية هو معرفة هل أن تصريح السفير التونسي هو من قبيل الأخطاء الاتصالية؟ أم هو موقف استراتيجي في تغيير التحالفات وإعادة التموقع العالمي؟  
في الحقيقة لا يمكن فهم تداعيات هذا التصريح الذي يتحدث عن زيارة منتظرة ومرتقبة للرئيس قيس سعيد إلى روسيا من دون استحضار الموقف الأمريكي من حدث 25 جويلية 2021 الذي غيّر المشهد السياسي الداخلي رأسا على عقب ما فهم منه خروجا عن المسار الديمقراطي وعودة إلى نظام حكم الواحد… وهو موقف واضح للخارجية الأمريكية التي اعتبرت أنه من حق الرئيس قيس السعيد أن يختار الطريق السياسي الذي يراه غير أن هذا التمشي لا يجب أن يكون على حساب المنظومة الديمقراطية ولا على حساب المسار الديمقراطي ولا يجب أن يكون بطريقة فوقية يتحكم فيها شخص واحد وبطريقة منفردة وإنما يجب أن يكون بطريقة تشاركية يشارك فيها معه كل الطيف السياسي وكل المنظومة الديمقراطية التمثيلية…

موقف أمريكي

كما لا يمكن فهم هذا التصريح للسفير التونسي من دون العودة إلى الإحراج الذي سببه وزير الخارجية الأمريكي للرئيس قيس سعيد وهو يجيب عن أسئلة النواب في الكونغرس الأمريكي بمناسبة مناقشة ميزانية سنة 2023 حيث طرح عليه الموضوع التونسي وحجم الدعم الممنوح لتونس وطبيعته في علاقة بالتقليص من حجم الدعم بـنسبة 50 بالمائة في الميزانية الجديدة من المبلغ المرصود لتونس المقدر بـ 112 مليون دينار…
وقد كان جواب وزير الخارجية الأمريكي بأن التقليص في حجم المساعدات الممنوحة لتونس في الميزانية الجديدة كان بسبب المسار الذي اتخذته تونس والذي تعتبره أمريكا خروجا عن الديمقراطية، وأن ما هو مطروح على التونسيين وهو الأهم لهم هو أن يكونوا مؤهلين تماما للحصول على المساعدات من المؤسسات المالية…
وفي هذا تلميح من الخارجية الأمريكية من أن تونس غير مؤهلة حاليا للحصول على الدعم المالي من هذه المؤسسات الدولية وأن ما حصل بعد 25 جويلية قد أخرج البلاد عن ومن المسار الذي يسمح لها بالحصول على الدعم المالي الخارجي… وهذا الموقف يطرح السؤال حول حقيقة طبيعة علاقتنا بالولايات المتحدة الأمريكية في الفترة الأخيرة بعيدا عن كل الجدل الذي يدور حاليا بين الأطراف الداخلية المتصارعة في استثمار هذا التصريح الصادر عن وزير الخارجية الأمريكي في معركة التأييد والمعارضة للخيارات السياسية للرئيس قيس سعيّد…

تصرف خاطئ

إننا نعتقد أن ما قام به السفير التونسي بروسيا هو تصرّف خاطئ يعد من قبيل الأخطاء الاتصالية المحرجة للقيادة التونسية في علاقة بصياغة نص التصريح وفي علاقة باختيار المعجم المستعمل في التصريح وفي علاقة بمراعاة التوقيت وفي الأخذ في الاعتبار تداعيات هذا التصريح على ما يدور من إعادة التموقع السياسي العالمي الذي تدفع إليه روسيا…

حيث من غير المخفي أن بوتين أمام الحصار المضروب عليه من قبل أمريكا والاتحاد الاوروبي يسعى إلى تحصين نفسه من خلال التلويح بتغيير النظام العالمي الذي تقوده أمريكا و من وراء  التهديد  بإعلان حرب الغذاء والطاقة وقطع الامدادات لهذه المواد عن الكثير من الدول في العالم لكسب تأييدها له حيث فهم من هذا التصريح خيارا جديدا من القيادة السياسية التونسية في التموقع السياسي بعد التهديدات الأمريكية بقطع الإمدادات المالية اللازمة للحكومة التونسية والبلاد على مشارف إفلاس تام.

هل لنا قدرة على المعارك؟

إن المشكل الذي يطرحه مثل هذا التحليل في خطورته على الاستقرار الداخلي وعلى قدرة الدولة التونسية على الخروج من فلك النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الإمكانيات الذاتية المتوفرة للدخول في مثل هذه الصراعات المكلفة والتي تحتاج إلى مقدرات كبيرة لخوض مثل هذه المعارك…

خاصة وأن التجربة قد اثبتت أن كل المحاولات التي سعت إلى التمرد على النظام العالمي الحالي قد منيت بالفشل حتى من تلك الأنظمة المدعومة بشعوبها وحتى من الدول الكبرى التي يتوفر لديها مقدرات وإمكانيات عسكرية كبرى مثل الصين وروسيا اللتين تجدان اليوم صعوبات كبيرة في تغيير النظام العالمي الحالي، وهو الأمر الذي نقف عليه في الحرب الروسية والأوكرانية والمحاولات التي تقوم بها روسيا والصين الآن.
فهل لدى تونس من عناصر القوة الذاتية ما يسمح لها وما يمكنها من كسب رهان التحدي للولايات المتحدة الأمريكية؟ وهل لديها من المقومات ما يجعلها تصمد في مثل هذه المعارك ؟
وهل لديها من القوة الشعبية القادرة على التضحية مع القيادة السياسية في هذا الطريق الخطير خاصة إذا علمنا أن هاجس الشعب التونسي اليوم ليس الخروج عن وصايا أمريكا ولا يهمه نجاح مشروع الرئيس قيس السعيد السياسي وإنما هاجس الشعب الأول هو معرفة هل أن يوم عيد الفطر لهذه السنة هو الأحد أم الاثنين ويرجو أن يكون يوم الاثنين حتى يحصل على عطلة مطولة بأربعة أيام…
إن دولة هذا وعي شعبها لا يمكن أن تراهن عليه لخوض معارك مصيرية مثل معركة إعادة التموقع العالمي…

المصدر : الصريح

Load More Related Articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Check Also

غوتيريش يزور أوكرانيا الخميس ويلتقي مع زيلينسكي وأردوغان

قال متحدث باسم الأمم المتحدة إن الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو جوتيريش سيسافر إلى لف…