Home Non classé مجموعة “ركون الروح ” لهادي الخضراوي قصائد مشحونة بالتأويل 3_3

مجموعة “ركون الروح ” لهادي الخضراوي قصائد مشحونة بالتأويل 3_3

31 second read
2
0
109
نشرنا امس الجزء الثاني من هذه الدراسة التي لاحظ فيها الكاتب يوسف عبد العاطي نزوع هادي الخضراوي الى الاحكام القطعية والجازمة سواء تعلق الامر بالوصف أوالرّأي، وتساءل ان كان سبب ذلك يعود الى بلوغه سن الاربعين من باقات المحبّة أم إنّ الأمر يعود فقط إلى ضرورات شعرية و بلاغية حتّمتها صياغة القصائد؟ ونواصل اليوم نشر الجزء الثالث والأخير: 

  الأكيد أنّه لن يُمكننا أبدًا التّوافق حول جواب واحدٍ لهذا السّؤال بحكم أنّنا نُحاكي  إنتاجًا إبداعيًا شعريًا يستعصي بطبعه عن الانسياقوراء القوالب الفنّيّة الجاهزة،  و الأحكام المُسبقة، لذلك سأكتفي بطرح التّساؤل تاركًا للقارىء حريّة التّأويل  و الاستنتاج، لتأكّدي من انفتاحالإنتاجات الابداعية على تفسيرات و مقاصد  متنوّعة حسب تعدّد القراءات حتّى لدى نفس الشّخص. و هو الأمر الذي يُوفّر  الخلود و الحياةللنّصوص الرّاقية و العميقة المعاني. 
      أعود الآن إلى القصيدة الرّابعة في المجموعة، و الّتي شعرت أنّه وقع استلهام  عنوان الكتاب منها رغم اختلاف الصّياغة. حيث جاءعنوانها في شكل سؤال  « متى تركن الرّوح للرّيح؟ » و جاء مقطعها الأوّل في أسلوب خبري: 
    (          روحي كما لحظة 
         باضها الدّهر في خارج عشّه 
                يُلحُّ السؤال الصدِئ 
        يكررهُ الاعتياد شتاءً و صيفا على مسمعي 
                 و يعلو صداه و لا ينتهي) ( ص : 15)
 و نلمس من خلال هذا المقطع الافتتاحي حصول القارئ على جواب سؤال  عنوان القصيدة، بل شعرت أنّه كان المفتاح الأهمّ للولوج إلىمقاصد عنوان  المجموعة «ركون الروح». و يزداد هذا الاحتمال تأكّدًا بعد الاطلاع على المقطع الأخير من نفس القصيدة:
    (    و كلّ الذي يشحن في الطريق من الحيَل الآسنة 
             و تعلو بعيدا عن العصف في طبقات السماء 
        تروم النسيم الذي يعتق الاعتزام من بؤرة الاعتياد 
              و حيث يشاء يحط و يبقى و حيثما يبتغي يرحل) ( ص : 17)
    الأكيد أنّ هذه المقاطع المختارة تُقدّم لنا صورة مُختصرة و مُقتضبة عن  عوالم الكتابة الشّعرية لدى هادي الخضراوي و الّذي نجده يسعىفي نصوصه  إلى تقديم مناخات جمالية و بلاغية مختلفة عن السّائد و المعتاد في السّاحة  الابداعية. 
      أصل الآن إلى قصائد الومضة، أو الدّهشة كما يُسمّيها البعض، و الّتي وُضع  منها الكثير في هذه المجموعة و أقصد بها طبعًا تلكالقصائد الّتي لم يتعدَّ طولها  الأربعة أو الخمسة أسطر و فاق عددها العشرة. لذلك أرى أنّه من المفيد التّوقّف  عند بعضها قصد تمكين القارئمن نماذج أشمل حول إبداع هادي الخضراوي  الشّعريّ. 
 و أرى أنّ أفضل نموذج ننطلق منه هو القصيدة الثّامنة في المجموعة « عيد ليس كما نبتغي » و الّتي صيغت كما يلي:
     ( عيد على خدّه يمرح الصبيةُ 
        و من دمه يلعق التاجر الطامع 
      يعود علينا و لسنا تمامًا كما نبتغي 
       و لكن كما يبتغي خصمنا الخادع) ( ص : 27)
       و يلاحظ معي القارئ أنّ هذه القصيدة، و رغم عدم تعدّي أسطرها الأربعة،  إلّا أنّها كانت عميقة المعاني و تمكّنت من اختزال موضوعيؤرّق النّاس و يشغلهم، و تختلف حوله المواقف. لذلك جاءت مُختزلة و مُكثّفة و دقيقة المعاني. 
    و مواصلة لموضوع العيد نجد الشّاعر في موقع لاحق يُعنون قصيدته « العيد » هكذا مُعرّفة ليقول: 
    (     قال الجزار: « سأرى العيد و أملأُ منهُ جيوبي »
           قال الخروف: « لن أرى إلا دمعيَ الأحمر »
           قال القطّ و هو يهزّ ذيله: « سأرى شواء »
                 و قال إبراهيم: « قد ترون ما ترون 
                  أمّا العيد فلن يراه إلا من رأى الله » ) ( ص : 43) 
     و نلاحظ من خلال الأسلوب الذي اتّبعه الشّاعر في صياغته لقصيدته إصراره على الحياد في الإخبار، حيث نجده يَنسب الخبر إلى قولالجزار و الخروف  و القطّ ثمّ إبراهيم الّذي ذُكر كاسمٍ علمٍ لكنّه يُعيدنا قسرًا إلى الرّواية الدّينية لعيد  الاضحى مع ملازمة الحيطة و الحذر فيتبنّي الموقف.
      كما نجده يختار توصيف المستبدّ بالتّعريف أيضًا حيث يقول في هذه القصيدة: 
     (     لا غرو أن يقرف مليون مقرفة 
            ما دام قد نبتت رجلاه في العفن 
            يأتي المظالم ركضًا بل يعيش بها 
            مثل الذبابة تمضي العمر في الدِمن) ( ص 58)
  و نرى الشّاعر في هذا الموضع يقع في الحكم القيميّ إلى درجة تشبيهه بالذّبابة  التي تمضي العمر في الدِمن. و أرى أنّ هذا الموقف جاءليفضح لنا انتصار  الشّاعر للقيم النّبيلة رغم واجب التحفّظ الّذي طبع شخصيته المبدعة بحكم آثار  شُغله على كتاباته. و التّأكيد أنّ هذا التّأثّرغالبًا ما يحصل دون وعي أو تخطيط  مُسبق من المُبدع. 
  و لتقديم نموذج إضافي لهذه القصائد القصيرة أقدّم للقارئ قصيدة « انسحاب »:
    (           سحبت غيومي بعيدا و رحتُ 
         فأرضك ملحٌ و لن تستجيب لهطل المطر 
               و أسكَتُّ نبضا يخاطب نبضا 
               فلا يلتقِي غير صمت الحجر) ( ص : 77)
      و يلاحظ معي القارئ أنّ هذه القصائد و رغم الاختزال و التّكثيف في صياغتها كانت عميقة المعاني دقيقة الأهداف حيث شعرت أنّ أغلبها يدفع القارئ إلى  المشاركة في بلورة معانيها و مقاصدها. و أرى أنّ هذا الأسلوب عادةً ما يكون  عصيًّا على عديد المبدعين لما يتطلّبهمن جهد إضافي في اختيار العبارة و اختزال الصّورة. و أظنّ أنّ أحسن توصيف لهذا الرّأي قصيدة  « نسيب عتيق » :
     (     لا تلبسي ذاك القميص المقلّما 
            كي لا يُجنّ أمير جِنٍّ بعشقك 
          لا حول لي أن أعلن الحرب على 
          كلّ الملوك الطامعين بوصلك) ( ص : 88)
   و لإيماني بأنّه لا يمكن بأيّة حالة من الأحوال الوقوف عند جميع مقوّمات  الكتابة الشّعرية لدى هادي الخضراوي في نصّ واحدٍ، أرى أنّهمن المفيد الاكتفاء بهذه النّماذج المُختارة من مجموعته، و حسبي في هذا المجال جلب انتباه القرّاء  إلى أعماله الشّعرية و الابداعية خاصة لماتتّسم به من جمالية في البناء و عمق في المعاني، و أكاد أجزم أن لا أحد سيندم على مطالعة كتبه العديدة و المتنوّعة. 

Pages 1 2
Load More Related Articles
Load More By Al Chourouk
Load More In Non classé

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Check Also

كريم عريبي في طريقه إلى نادي الزمالك المصري

أكدت مصادر صحفية جزائرية اليوم الإربعاء 30 جوان 2021، أن نادي نيم الفرنسي، رحب بفكرة انتقا…