Home أخبار عيسى البكوش يكتب: في السيرة المحمدية…

عيسى البكوش يكتب: في السيرة المحمدية…

0 second read
2
0

كتب: عيسى البكوش

في مثل هذا الشهر ـ رمضان المعظّم ـ من عام 2002، ألقى الدكتور فرحات الدشراوي (1928-2007) أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بالجامعة التونسية، محاضرة على منبر شعبة بلحسين جراد بالمنزه الخامس التي أسّسها الأستاذ توفيق الزعنوني الذي التحق بالرفيق الأعلى الشهر الماضي، تحت عنوان «العظمة النفسية في السيرة المحمدية».

رقي أخلاقي

ولقد كان حديث المحاضر كما ألفناه منذ عقود ممتعا ومؤنسا، يزخر علما ودراية فحصل بذلك النفع واكتسب الحضور زادا يغذّي العقول ويضفي الطمأنينة على القلوب.
ويقيننا أنّ بيان الدكتور فرحات الدشراوي وإن لم يكن ضافيا ـ فالكلام عن سيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) لا يمكن حصره في حيّز زمني ـ كان شافيا مثلجا للصدر وداعيا إلى التدبّر في آيات الله الذي بعث رسولا للعالمين رجلا أودع فيه كلّ صفات الجمال والكمال، يقول الحق: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » سورة القلم.
رجل هو بين قومه مثلهم من البشر: «قل إنّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ» سورة الكهف.
إذ لم يتميّز عليهم لا بقوّة مادية ولا بقوّة جسدية بل كان ذا عظمة نفسية تمكّن بفضلها من تبليغ الرسالة وقيادة الجهاد في سبيل نشرها وتأسيس الدولة الجديدة التي ما فتئت تتدعّم أركانها حتى طالت نصف الكون في أمد قصير.

أعظم العظماء

ولقد استشهد المحاضر بمقولات فطاحل السياسة والأدب والفكر في الغرب حول شخصية النبي ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ والذي أوفوه الحق المعلوم من ذلك شهادة الإمبراطور نابليون بونابرت والشاعر لمرتين اللذين يقرّان بأنّ محمد هو أعظم عظماء الإنسانية، ويعزيان ذلك إلى مقدرته الفائقة في ترسيخ الدين الحنيف وبناء الدولة الحديثة في زمن كانت سيطرت فيه إمبراطورية فارس وإمبراطورية الروم، والمجتمع الإسلامي الصاعد لا يتوفّر له من السلاح غير كتاب الله وسنّة رسوله.
إنّ السيرة المحمّدية بما اتّسمت به من خصال الخلق وفضائل السريرة وحكمة القيادة وشكيمة العزيمة وجمال الحلم كانت بمثابة النبراس الذي اهتدى به المسلمون والذي قادهم من نصر إلى نصر حتى استقام هذا البناء الشامخ منذ أربعة عشرة قرنا أي منذ أن وضع لبناته الأولى سيّد الأنام الذي اختصّه الله بالمقام المحمود «إنّ الله وملائكته يصلّون على النبي» سورة الأحزاب.
لقد تبيّن لنا من خلال عرض الدكتور فرحات الدشراوي الذي استدلّ فيما استدل من بين روّاد الفكر النيّر في بلادنا بالعلاّمة محمد الطاهر بن عاشور صاحب «التحرير والتنوير»، بأنّ القراءة التونسية للسيرة إنما ترتكز على العقل وعلى التبصّر وعلى فهم كنه السيرة المحمّدية من خلال الوقائع التاريخية والأحداث والأحاديث الصحيحة بعيدا عن الترّهات الأسطورية والنزعات العاطفية.

مدرسة متميزة

وهو ما يؤكد لنا تميّز المدرسة التونسية منذ الفتح الإسلامي لبلادنا من رجاحة فكر وحصافة رأي واعتدال ووسطية، دليلنا في ذلك السلف الصالح من أمثال علي بن زياد وسحنون وأسد بن الفرات وابن عرفة وابن عاشور.
ولا غرو أن يكون الدكتور فرحات الدشراوي من هاته السلالة وهو الذي ارتوى من ذلك المعين ولا غرو أيضا أن تكون تونس منارة الاسلام التنويري تدعو اليوم كما بالأمس إلى الاستلهام من السيرة المحمّدية والقوانين التي سنّها في المدينة والداعية إلى التآخي وإحلال السلم والأمن بين الديانات وعلى التحاور مع الآخر باللّين والمعروف «وجادلهم بالتي هي أحسن».

المصدر : الصريح

Load More Related Articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Check Also

سعيد يؤكد ”ضرورة فرض احترام مرسوم الانتخابات على الجميع”

أكد رئيس الجمهورية، قيس سعيد، الاربعاء، “ضرورة فرض احترام المرسوم المتعلق بالانتخابا…